فخر الدين الرازي

316

تفسير الرازي

ألا قل لمن ظل لي حاسدا * أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في فعله * كأنه لم ترض لي ما وهب والاعتراض قريب من الشرك ، ولأن الحاسدين للرسول عليه السلام ، كان أكثرهم من قريش وهم المشركون ، ولما كان النور أعم من الدين والرسول ، لا جرم قابله بالكافرين الذين هم جميع مخالفي الإسلام والإرسال ، والرسول والدين أخص من النور قابله بالمشركين الذين هم أخص من الكافرين . ثم قال تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) * . إعلم أن قوله تعالى : * ( هل أدلكم ) * في معنى الأمر عند الفراء ، يقال : هل أنت ساكت أي اسكت وبيانه : أن هل ، بمعنى الاستفهام ، ثم يتدرج إلى أن يصير عرضاً وحثاً ، والحث كالإغراء ، والإغراء أمر ، وقوله تعالى : * ( على تجارة ) * هي التجارة بين أهل الإيمان وحضرة الله تعالى ، كما قال تعالى : * ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) * ( التوبة : 111 ) دل عليه * ( تؤمنون بالله ورسوله ) * والتجارة عبارة عن معاوضة الشيء بالشيء ، وكما أن التجارة تنجي التاجر من محنة الفقر ، ورحمة الصير على ما هو من لوازمه ، فكذلك هذه التجارة وهي التصديق بالجنان والإقرار باللسان ، كما قيل في تعريف الإيمان فلهذا قال : بلفظ التجارة ، وكما أن التجارة في الربح والخسران ، فكذلك في هذا ، فإن من آمن وعمل صالحاً فله الأجر ، والربح الوافر ، واليسار المبين ، ومن أعرض عن العمل الصالح فله التحسر والخسران المبين ، وقوله تعالى : * ( تنجيكم من عذاب أليم ) * قرىء مخففاً ومثقلاً ، * ( وتؤمنون ) * استئناف ، كأنهم قالوا : كيف نعمل ؟ فقال : * ( تؤمنون بالله ورسوله ) * وهو خبر في معنى الأمر ، ولهذا أجيب بقوله : * ( يغفر لكم ) * وقوله تعالى : * ( وتجاهدون في سبيل الله ) * والجهاد بعد هذين الوجهين ثلاثة ، جهاد فيما بينه وبين نفسه ، وهو قهر النفس ، ومنعها عن اللذات والشهوات ، وجهاد فيما بينه وبين الخلق ، وهو أن يدع الطمع منهم ، ويشفق عليهم ويرحمهم وجهاد فيما بينه بين الدنيا وهو أن يتخذها زاداً المادة فتكون على خمسة أوجه ، وقوله تعالى : * ( ذلكم خير لكم ) * يعني الذي أمرتم به من الإيمان بالله تعالى والجهاد في سبيله خير لكم من أن تتبعوا أهواءكم * ( إن كنتم تعلمون ) *